أبي منصور الماتريدي
151
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها ، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم ؛ ليعلم أنها سماوية . ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها ، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوما لهم بقوله : لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الشعراء : 155 ] ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله : فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ، وأما ما قاله بعض الناس : إنها خرجت من صخرة كذا ، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها ، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك ، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق ، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا « 1 » ، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله تعالى فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه ، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له ؛ نحو قوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ المائدة : 40 ] وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [ النمل : 91 ] ونحوه . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ نهاهم أن يمسوها بسوء ، ولم يبين ما ذلك السوء ، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك . وقال بعض أهل التأويل : وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي : لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب « 2 » ، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال : فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ، وما ذكر أيضا أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول ، ثم احمرت في اليوم الثاني ، ثم اسودت في اليوم الثالث ، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع ، فذلك أيضا مما لا نعرفه . وقوله - عزّ وجل - : عَذابٌ قَرِيبٌ قيل : سريعا لا تمهلون حتى تعذبوا . وقوله : ذلِكَ وَعْدٌ من الله غَيْرُ مَكْذُوبٍ : ليس فيه كذب ، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية ، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها ، فنزل بهم العذاب ، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب ، وهو قوله : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها . . . الآية [ الإسراء : 59 ] ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : لها . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 63 ) ، والبغوي ( 2 / 391 ) .